عمر فروخ

547

تاريخ الأدب العربي

المال ، وليته إذ ضيّع المال أرضى الرجال « 1 » ؛ ولكنّه حرم الاثنين فأفلس من الجهتين . وو اللّه ، ما الذئب في الغنم بالقياس إليه إلّا من المحسنين ، ولا السوس في الخزّ في الصيف إلّا من المصلحين ، ولا الحجّاج بن يوسف الثقفيّ في العراق إلّا أول العادلين ، ولا يزدجرد الأثيم في أهل فارس بالإضافة إليه إلّا من النبيّين والصّدّيقين ، ولا فرعون في بني إسرائيل إذا قابلته به إلّا من الملائكة المقرّبين . - مرض أبو بكر الخوارزميّ فأغفله أحد أصدقائه : لم يعده ( يزره ) في علّته ولا كتب إليه مهنّئا بزوال العلّة عنه . فكتب الخوارزميّ إلى ذلك الصديق : كتابي - وقد خرجت من البلاء خروج السيف من الجلاء « 2 » وبروز البدر من الظلماء ؛ وقد فارقتني المحنة وهي مفارق لا يشتاق اليه ، وودّعتني وهي مودّع لا يبكى عليه . فالحمد للّه تعالى على محنة يجلّيها ونعمة ينيلها ويولّيها . كنت أتوقّع أمس كتاب سيّدي بالتسلية ، واليوم بالتهنئة : فلم يكاتبني في أيام البرحاء « 3 » بأنّها غمّته ولا في أيّام الرخاء بأنّها سرّته . وقد اعتذرت عنه إلى نفسي وجادلت عنه قلبي فقلت : أمّا إخلاله بالأولى فلأنّه شغله الاهتمام بها عن الكلام فيها ، وأما تغافله عن الأخرى فلأنّه أحبّ أن يوفّر عليّ مرتبة السابق إلى الابتداء ويقف بنفسه على محلّ الاقتدا « 4 » لتكون نعم اللّه تعالى موقوفة من كلّ جانب عليّ ومحفوفة من كلّ بيئة « 5 » بي . فإن كنت أحسنت الاعتذار عن سيّدي فليعرف لي حقّ الإحسان وليكتب لي بالاستحسان . وإن كنت أسأت فليخبرني بعذره فإنّه أعرف منّي بسرّه ، وليرض منّي بأنّي حاربت عنه قلبي ، واعتذرت من ذنبه حتّى كأنّه ذنبي ، وقلت :

--> ( 1 ) أوحش الرجال : نفرهم منه . حصل المال : جمع مالا ( للدولة ) . - إنه بأعماله قد نفر الناس من الدولة وجعلهم لها أعداء ثم لم يستطع أن يجمع الخراج والضرائب لأنه أفسد كل شيء وأفقر البلاد . ( 2 ) الجلاء ( بكسر الجيم ) : صقل السيف ، شحذه ، سنه ( بفتح السين ) . ( 3 ) البرحاء ( بضم الباء وفتح الراء ) : شدة الأذى ( من المرض وغيره ) . ( 4 ) يقف بنفسه على محل الاقتداء : لا يتقدم علي في عمل بل يقتدى بي في كل شيء . ( 5 ) البيئة ( بكسر الباء ) : المحل ، المكان ؛ الحال .